عبد الكريم الخطيب

917

التفسير القرآنى للقرآن

أن يكون عليها إيمان المؤمن ، بعد أن كشفت الآيتان السائقتان عن الصورة المهزوزة ، المنكرة ، التي تكون للمؤمن حين يقول ، ولا يفعل ما يقول . . ولما كان الجهاد في سبيل اللّه أعظم الأفعال ، وأكرمها ، وأصدقها ، حيث موقف المجاهد ، وثباته في ميدان القتال ، والتحامه في صفوف المجاهدين ، وجعل كيانه بعضا من كيانهم ، وحيث يكون هذا الموقف دليلا عمليا قاطعا على صدق الإيمان ووثاقته - لمّا كان هذا شأن الجهاد ، فقد جعله اللّه سبحانه وتعالى هو المحكّ الذي يظهر عليه إيمان المؤمن ، والشهادة التي تشهد له عند اللّه وعند الناس أن فعله يصدّق قوله على أتم صورة وأكملها . . وعلى هذا ، فإن من أراد أن يكون مؤمنا حقّا ، وأن يبرئ نفسه من الكذب والنفاق - عليه أن يشهد مواقف القتال ، وأن يأخذ مكانه في صف المجاهدين ، وأن يعطى الجهاد حقه ، وأن يقاتل حتى يكتب اللّه النصر للمؤمنين ، أو يقتل وهو في مواجهة العدو ، لا موليا دبره ، ولا محتميا بظهر غيره من المجاهدين . . فذلك هو الإيمان ، بل هو أعلى درجات الإيمان وأكرمها ، وأصدقها . . فأي قول يقوله المؤمن المجاهد بعد هذا ، هو قادر على الوفاء به . . فإن من قدّم نفسه للاستشهاد في سبيل اللّه ، لهو أقوى من أن يضعف عن الوفاء بكلمة يقولها . . وقوله تعالى : « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » في هذه الآية عزاء للنبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - عما يرى في بعض المؤمنين من ضعف إيمان ، أو انحراف عن غير الطريق القويم ، أو انحياز إلى المشركين ، أو ممالأة للكافرين . . فهذا كله مما يمكن أن يقع في الإنسانية ، حيث